محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
27
الآداب الشرعية والمنح المرعية
والصيام والصدقة ومن المعلوم أن الإصلاح بين أهل الكتاب ليس بأفضل من ذلك فعلم أنه أراد بذلك الصلح بين المسلمين ، وأن الذي رغب فيه وحض عليه هو الذي أجاز الكذب لأجله وأنه لا تجب إجابة دعوتهم بل تستحب أو تجوز أو تكره مع أن الشارع أمر بها أمرا عاما وأجاب دعوة يهودي فالدليل الذي أخرجهم من الإطلاق والعموم وهو لما فيه من الإكرام والمودة فهنا مثله . فقد تبين من قوة الدليل أنه يجوز الكذب للصلح بينهم وهل يستحب أو يباح أو يكره ، يخرج فيه خلاف وعلى هذا قول ابن حزم في كتاب الإجماع : اتفقوا على تحريم الكذب إلا في الحرب وغيره ومداراة الرجل امرأته ، وإصلاح بين اثنين ، ودفع مظلمة مرادة بين اثنين مسلمين ، أو مسلم وكافر لما سبق ، وقد عرف بما سبق أن هذا الإجماع مدخول . قال أبو داود : حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة ؟ " قالوا : بلى ! قال : " إصلاح ذات البين ، وإفساد ذات البين الحالقة " " 1 " سالم هو ابن أبي الجعد رواه الترمذي عن هناد عن أبي معاوية وقال حسن صحيح . الحالقة الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر . وقال صالح لأبيه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " يحدث الرجل بكل شيء يريد ؟ قال أبي يروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " من حدث عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين " " 2 " . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " " 3 " ففرق بين ما يحدث عنه وبين ما يحدث عن بني إسرائيل " 4 " فقال : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنه كانت فيهم الأعاجيب " " 5 " فيكون الرجل يحدث عن بني إسرائيل وهو يرى أنه ليس كذلك فلا بأس ، ولا
--> ( 1 ) صحيح أخرجه أبو داود ( 4919 ) والترمذي ( 2511 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم في المقدمة ( 1 / 62 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 3461 ) . ( 4 ) قال ابن كثير : فأما الحديث الذي رواه البخاري عن عمرو بن العاص : " . . . وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج . . . " فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها ، فيجوز روايتها للاعتبار . . . فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا إليه استغناء بما عندنا ، وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته إلا على سبيل الإنكار والإبطال البداية والنهاية ( 1 / 6 - 7 ) . ( 5 ) أخرجه أبو يعلى كما في البداية ( 2 / 133 ) والبزار ( 132 ) مختصر ابن حجر وإسناد أبي يعلى رجاله ثقات .